ابن كثير
234
البداية والنهاية
فأقسم عمه بالايمان المغلظة ما قال هذا له أحد ، وإنما كانت هذه الكلمة بادرة مني وأنا أستغفر الله وأتوب إليه منها . فأطلقه . وقال بعضهم : دخلت على الرشيد وبين يديه رجل مضروب العنق والسياف يمسح سيفه في قفا الرجل المقتول ، فقال الرشيد : قتلته لأنه قال القرآن مخلوق ، فقتله على ذلك قربة إلى الله عز وجل . وقال بعض أهل العلم : يا أمير المؤمنين انظر هؤلاء الذين يحبون أبا بكر وعمر ويقدمونهما فأكرمهم بعز سلطانك ، فقال الرشيد : أو لست كذلك ؟ أنا والله كذلك أحبهما وأحب من يحبهما وأعاقب من يبغضهما . وقال له ابن السماك : إن الله لم يجعل أحدا فوقك فاجتهد أن لا يكون فيهم أحد أطوع إلى الله منك . فقال : لئن كنت أقصرت في الكلام لقد أبلغت في الموعظة . وقال له الفضيل بن عياض - أو غيره - إن الله لم يجعل أحدا من هؤلاء فوقك في الدنيا ، فاجهد نفسك أن لا يكون أحد منهم فوقك في الآخرة ، فاكدح لنفسك وأعملها في طاعة ربك . ودخل عليه ابن السماك يوما فاستسقى الرشيد فاتي بقلة فيها ماء مبرد فقال لابن السماك : عظني . فقال : يا أمير المؤمنين ! بكم كنت مشتريا هذه الشربة لو منعتها ؟ فقال : بنصف ملكي . فقال : اشرب هنيئا ، فلما شرب قال : أرأيت لو منعت خروجها من بدنك بكم كنت تشتري ذلك ؟ قال بنصف ملكي الآخر . فقال : إن ملكا قيمة نصفه شربة ماء ، وقيمة نصفه الآخر بولة ، لخليق أن لا يتنافس فيه . فبكى هارون . وقال ابن قتيبة : ثنا الرياشي سمعت الأصمعي يقول : دخلت على الرشيد وهو يقلم أظفاره يوم الجمعة فقلت له في ذلك فقال : أخذ الأظفار يوم الخميس من السنة ، وبلغني أن أخذها يوم الجمعة ينفي الفقر . فقلت : يا أمير المؤمنين أو تخشى الفقر ؟ فقال : يا أصمعي وهل أحد أخشى للفقر مني ؟ . وروى ابن عساكر عن إبراهيم المهدي قال : كنت يوما عند الرشيد فدعا طباخه فقال : أعندك في الطعام لحم جزور ؟ قال : نعم ، ألوان منه . فقال : أحضره مع الطعام فلما وضع بين يديه أخذ لقمة منه فوضعها في فيه فضحك جعفر البرمكي ، فترك الرشيد مضغ اللقمة وأقبل عليه فقال : مم تضحك ؟ قال : لا شئ يا أمير المؤمنين ، ذكرت كلاما بيني وبين جاريتي البارحة . فقال له : بحقي عليك لما أخبرتني به . فقال : حتى تأكل هذه اللقمة ، فألقاها من فيه وقال : والله لتخبرني . فقال : يا أمير المؤمنين بكم تقول إن هذا الطعام من لحم الجزور يقوم عليك ؟ قال : بأربعة دراهم . قال : لا والله ، يا أمير المؤمنين بل بأربعمائة ألف درهم . قال : وكيف ذلك ؟ قال : إنك طلبت من طباخك لحم جزور قبل هذا اليوم بمدة طويلة فلم يوجد عنده ، فقلت : لا يخلون المطبخ من لحم جزور ، فنحن ننحر كل يوم جزور لأجل مطبخ أمير المؤمنين ، لأنا لا نشتري من السوق لحم جزور . فصرف في لحم الجزور من ذلك اليوم إلى هذا اليوم أربعمائة ألف درهم ، ولم يطلب أمير المؤمنين لحم جزور إلا هذا